تاريخ إنشاء وتأسيس كلية القديسة أفيمية اللاهوتية الأرثوذكسية

تاريخ إنشاء وتأسيس كلية القديسة أفيمية اللاهوتية الأرثوذكسية

بقلم قدس البروتوبرسفيتروس ثادايوس هاردينبروك

إبتداءً من منتصف تسعينيات القرن الماضي، عملت الإدارة الحالية للنيابة الأسقفية الفلسطينية الأردنية الأرثوذكسية في أمريكا بكل جهدٍ لتحسين الخدمة والتربية الروحية للمؤمنين الورعين من المسيحيين الأرثوذوكسيين الذين تحت رعايتها الروحية وذلك من خلال البعثات التبشيرية، والرعايا القائمة، ورسامة الكهنة، ومخیمات الشباب، والفرص المتاحة للتعليم المستمر.

 كان التركيز في البداية منصب على المؤمنين الذين قدموا من الأراضي المقدسة على وجه التحديد، ولكن سرعان ما اتضح الإفتقار الكبير إلى التعليم الروحي بين المسيحيين الأرثوذكسيين من أصل عربي في الولايات المتحدة،ورغم العزم على خدمة حاجات هؤلاء الأرثوذكسيين الورعين إلا أن الموارد لم تتمكن من مواكبة الحاجة المتزايدة.

واستجابة لهذه الحاجة المتزايدة، تم إنشاء النيابة الأسقفية في عام 2008 كتشكيل روحي وإداري رسمي تابع للبطريركية المسكونية المقدسة وبالتعاون مع قدس المتقدم في الكهنة جورج جوينات (راعي كاتدرائية القديس جيورجيوس، في مدينة دالي سيتي،شمال كاليفورنيا) بصفته النائب الأسقفي، ويخدم مع جميع إكليروس النيابة الأسقفية مباشرةً تحت سيادة رئيس أساقفة أمريكا (GOA)  والذي هو الممثل الأعلى للبطريركية المسكونية المقدسة في الولايات المتحدة الأمريكية. ومن خلال صاحب السيادة رئيس أساقفة امريكا، تُشارك النيابة الأسقفية ورجال الدين وجميع الرعايا في البرامج والهيئات المعاونة لـ “سكوبا” (SCOBA ) (وهي الآن جمعية الأساقفة الأرثوذكسين القانونين في الولايات المتحدة الأمريكية).

خلال الأعوام من سنة 2008 إلى سنة 2013، بذل إكليروس النيابة الأسقفية جهوداً جبارة لخدمة العدد المتزايد من المؤمنين الأرثوذكسين العرب الذين تحت رعايتهم الروحية. واستمرت البعثات الجديدة والمخيمات الصيفية، جنباً إلى جنب، بمواكبة تزايد أعداد المعتنقين الأرثوذكسية الجدد الأمريكيين الذين انضموا إلى الهيكلية العربية التاريخية للنيابة الأسقفية. تم رسامة شمامسة وكهنة جدد، واستمر النمو العام، ولكن الحاجة الماسة إلى التعليم الديني بقي  يشكل شاغلاً مهيمناً. ببساطة، كانت هناك أعداد كبيرة من المؤمنين تفوق العدد المتاح من رجال الدين للتمكن من تقديم تثقيف فعّال عن طريق التواصل وجهاً لوجه مع كل فرد.

ثم في عام 2014، تظافر التخطيط الحكيم لقدس البروتوبرسفيتروس جورج جوينات ، وببركة من صاحب السيادة رئيس أساقفة أمريكا ذيميتريوس، والتعاون مع سيادة المتروبوليت ذمسكينوس متروبوليت أبرشية ذيذيموتيخو وتوابعها (شمال اليونان) ، وأثمر التخطيط في قدوم الشاب المتميز سيادة أرشمندريت الكرسي المسكوني ذمسكينوس الأزرعي من الكنيسة الأرثوذكسية في اليونان إلى أمريكا، وذلك لتقديم المساعدة القيادية والتنمية الإدارية للنيابة الأسقفية.

 وقد تم ترفيع قدس الأب ذمسكينوس الأزرعي، الحاصل على درجة الدكتوراة في علم النفس ويكمل الآن الدكتوراة الثانية في الفلسفة، ومنحه لقب “أرشمندريت الكرسي المسكوني” من قبل قداسة البطريرك المسكوني برثلماوس، قبل نقله إلى النيابة الأسقفية في الولايات المتحدة عام 2014 في إحتفال مُهيب.

 الأرشمندريت ذمسكينوس هو أردني الجنسية وكان مقيم بشكل مستمر في اليونان لمدة 15 عاماً تقريباً حيث أكمل تعليمه الثانوي ودرس اللاهوت وتلقى السيامة الكهنوتية.

وقد عزز وصول الأرشمندريت ذمسكينوس الأزرعي النمو في مجال التعليم الأرثوذكسي والتشكيل الروحي للمؤمنين. وعلى الفور، وبرؤيته تم تأسيس مؤتمر سنوي للأخلاق الحياتية والمسيحية Orthodox Bioethics Conference يعقد في كل ربيع، بالإضافة إلى المؤتمر الروحي Spiritual Retreat في شهر أكتوبر / تشرين الثاني من كل عام. وقد بدأ الأرشمندريت ذمسكينوس بمهمات منتظمة لتعليم الشباب وزيارة جميع الرعايا، وتحديد أماكن إنشاء المزيد من الرعايا والإرساليات حسب حاجة المؤمنين على نطاق البلاد من ولاية كاليفورنيا إلى ولاية نيويورك.

وبطبيعة الحال فقد كشف عمل الأرشمندريت ذمسكينوس داخل النيابة الإسقفية وتعاونه على الصعيد الدولي مع الإكليروس والمعلمين الأرثوذكسيين عن الحاجة الماسة للتعليم الأرثوذكسي،وقد تبين في جميع الأماكن التي سافر إليها النائب الأسقفي الحالي،والأرشمندريت ذمسكينوس ورجال الدين التابعين للنيابة الاسقفية بأنه هنالك أعداد كبيرة من المسيحيين الأرثوذكسيين المتشوقين حقاً للرعاية الروحية والتعليم المستقيم الرأي.

“إِنَّ الْحَصَادَ كَثِيرٌ، وَلكِنَّ الْفَعَلَةَ قَلِيلُونَ” ( لوقا 10: 2 )

في هذه الأثناء من الإزدهار الروحي، كان عدد المتحولين إلى المسيحية الأرثوذكسية والذين كانوا إكتشفوا بداخلهم الدعوة الكهنوتية وحب التقليد الشريف آخذاً في النمو أيضاً. وقد ركز العديد من رجال الدين لدى النيابة الأسقفية جهودهم الرعوية في خدمة الجيل الثاني أو الثالث، وهم الناطقين باللغة الإنجليزية والذين يشكلون حالياً حوالي نصف أبناء رعايا النيابة الأسقفية. ومن منطلق إيجاد كهنة للمساعدة في الخدمة الروحية والرعوية ، أجرى قدس البروتوبرسفيتروس ثادايوس هاردينبروك، راعي كنيسة القديس لورانس الأرثوذكسية في فيلتون،شمال كاليفورنيا، اتصالاً مع كاهن نشيط يدعى الأب جون بيك، حيث انغمس هذان الكاهنان الأمريكيان الأصل في صلب الموضوع منذ البداية فأمضوا ساعات طويلة يفكرون في الإحتياجات العملية للمسيحية الأرثوذكسية النابضة بالحياة والإنجيلية على الصعيد الوطني.

في ذلك الوقت، كان الأب جون بيك يخدم في فينيكس، أريزونا، بدون مهمة رعوية محددة وسرعان ما وجد نفسه منجذباً إلى الحماس والإخلاص والقناعة التي يتحلى بها الإخوان رجال الدين في النيابة الأسقفية. ولهذا في عام 2017، جرى نقل الأب جون رسمياً من قبل الكنيسة الأرثوذكسية في أمريكا (OCA) ألى النيابة الأسقفية المقدسة، وجرى تكليفه بإعادة فتح رعية النيابة الأسقفية في ولاية آريزونا التي كانت قد أُغلقت منذ اكثر من عشرة سنوات،وتم إعادة أفتتاحها تحت إسم “جميع قديسي أمريكا الشمالية”في مدينة صن سيتي، أريزونا. وكان الأب جون قد خدم سابقاً في كودياك وفيربانكس، ألاسكا، وفي جنوب إلينوي، وفي كانتون، أوهايو، وبريسكوت، أريزونا. وهو مؤسس للعديد من البرامج التعليمية على شبكة الإنترنت ولكنائس الدعوة اللاهوتية مثل “الرجال الصالحون يرتدون الأسود: تمييز مهنتك في الكنيسة الأرثوذكسية” (goodguyswearblack.org)، و “معهد الدعاة: المصدر الرئيس للوعظ والإرشاد الأرثوذكسي المسيحي على شبكةالانترنت (preachersinstitute.com)، و “رحلة إلى الأرثوذكسية: لأولئك الذين على طريق الإيمان بالأرثوذكسية المسيحية” (triptoorthodoxy.com).

وبفضل من الله، وبمجرد ما تم توحيد الأفكار والروئ المستقبلية كانت النتيجة الطبيعية هي تأسيس أكاديمية العظيمة في الشهيدات القديسة أفيمية اللاهوتية الأرثوذكسية؛ وهي مؤسسة تعليمية أرثوذكسية قائمة على شبكة الإنترنت قادرة على خدمة المؤمنين الأرثوذكسيين على الصعيد الوطني، وفي جميع أنحاء العالم، باللغتين الانكليزية والعربية. وعلى النحو الموجز في اللوائح الأكاديمية.

تتمثل مهمة ورؤية هذه الأكاديمية في خدمتها كمؤسسة لاهوتية للتعليم عن بعد تستند أساساً إلى شبكة الإنترنت وتقدم دورات لاهوتية ودورات مهنية ودراسية خاصة وشهادات ودبلومات في التعليم والتدريب اللاهوتي والتأهيل للسيامة الكهنوتية والمجالات ذات الصلة بالخدمة الكنسية، حسبما يراه مجلس أمناء الأكاديمية مناسباً وللأغراض العاجلة المتمثلة في تثقيف الأشخاص لغايات رسامتهم لخدمة الكنيسة والمجتمع.

لذلك، ومع عظيم الفرح، وفقط بفضل إرادة الآب وهداية إبنه الوحيد، ونعمة الروح القدس، فقد حقق الجهد المخلص لرجال الدين في النيابة الأسقفية لخدمة المؤمنين الأرثوذوكسيين تحت رعايتهم وفي أسرع وقت ممكن ووفقاً لأنجح الوسائل الممكنة وأثمر في إنشاء أكاديمية الشهيدة القديسة إفيمية اللاهوتية الأرثوذكسية لإتاحة فرصة خدمة جميع المسيحيين الأرثوذوكسيين، وتلبية الإستفسارات المتعلقة بالدين، أياً كانت إختياراتهم الحرة في انضمامهم للبرنامج التعليمي للأكاديمية.